ابن الجوزي
103
صفة الصفوة
سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا وفي يده رمح فنزل عن فرسه ثم دفع الباب برمحه فخرج ربيعة فقال له : يا عدو اللّه أتهجم على منزلي ؟ فقال : لا ، وقال فروخ : يا عدو اللّه أنت رجل دخلت على حرمي فتواثبا وتلبّب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول : واللّه لا فارقتك إلا عند السلطان وجعل فرّوخ يقول : واللّه لا فارقتك إلا عند السلطان وأنت مع امرأتي . وكثر الضجيج فلما بصروا بمالك : سكت الناس كلّهم . فقال مالك : أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار . فقال الشيخ : هي داري وأنا فروخ مولى بني فلان . فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت : هذا زوجي ، وهذا ابنه الذي خلّفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعا وبكيا فدخل فروخ المنزل فقال : هذا ابني ؟ قالت : نعم ، قال : فأخرجي المال الذي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار . فقالت : المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام . فخرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته وأتاه مالك بن أنس والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف المدينة وأحدق الناس به فقالت امرأته : اخرج فصلّ في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فخرج فنظر إلى حلقة وافرة ، فأتاه فوقف عليه ففرّجوا له قليلا ونكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره فقال : من هذا الرجل ؟ فقالوا : هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، فقال أبو عبد الرحمن : لقد رفع اللّه ابني . فرجع إلى منزله فقال لوالدته : لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدا من أهل الفقه والعلم عليها . فقالت أمه : فأيّما أحبّ إليك : ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه من الجاه ؟ قال لا واللّه إلّا هذا . قالت : فإني أنفقت المال كله عليه قال : فو اللّه ما ضيّعته . وعن ابن زيد قال : مكث ربيعة دهرا طويلا عابدا يصلي الليل والنهار ، فجالس القاسم فنطق بلب وعقل . فكان القاسم إذا سئل عن شيء قال : سلوا هذا لربيعة . وعن يحيى بن سعيد قال : ما رأيت أحدا أفطن من ربيعة . قال الليث : وقال لي عبيد اللّه بن عمر في ربيعة : هو صاحب معضلاتنا وأعلمنا وأفضلنا .